محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) } قال أبو جعفر : يريد جل ثناؤه بقوله : ( وألف بين قلوبهم ) ، وجمع بين قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج ، بعد التفرق والتشتت ، على دينه الحق ، فصيَّرهم به جميعًا بعد أن كانوا أشتاتًا ، وإخوانًا بعد أن كانوا أعداء . وقوله : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لو أنفقت ، يا محمد ، ما في الأرض جميعا من ذهب ووَرِق وعَرَض ، ما جمعت أنت بين قلوبهم بحيْلك ، ( 1 ) ولكن الله جمعها على الهدى فأتلفت واجتمعت ، تقوية من الله لك وتأييدًا منه ومعونة على عدوك . يقول جل ثناؤه : والذي فعل ذلك وسبَّبه لك حتى صاروا لك أعوانًا وأنصارًا ويدًا واحدة على من بغاك سوءًا هو الذي إن رام عدوٌّ منك مرامًا يكفيك كيده وينصرك عليه ، فثق به وامض لأمره ، وتوكل عليه . * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : 16256 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وألف بين قلوبهم ) ، قال : هؤلاء الأنصار ، ألف بين قلوبهم من بعد حرب ، فيما كان بينهم . ( 2 )
--> ( 1 ) " الحيل " ( بفتح فسكون ) ، القوة ، مثل " الحول " ، يقال : " إنه لشديد الحيل " ، وفي الحديث : " اللهم ذا الحيل الشديد " . وهو لا يزال يستعمل كذلك في عامية مصر . ( 2 ) ما بين " من بعد حرب " و " فيما كان بينهم " ، بياض في المخطوطة ، فيه معقوفة بالحمرة ، لا أدري أهو بياض تركه لسقط ، أم هو سهو من الناسخ ملأه بالحمرة .